๑۩۞۩๑ ::منتديات أصحاب أون لاين::๑۩۞۩๑


 
الرئيسيةدخولالتسجيلدخول العضو
منتديات اصحاب اون لاين ترحب بكل اعضاء المنتدى وتتمنى لهم قضاء وقت ممتع الاداره
WwW.aS7Ap.OnlinegoO.CoM

شاطر | 
 

 مصعب بي عمير

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أستاذة هدي
.
.
avatar

مشاركاتى : 20
عمرى : 30
العقرب

مُساهمةموضوع: مصعب بي عمير    الخميس 30 يونيو - 19:39

مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ
أوَّل سُفراء الإسلام
***

هذا رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ما أجمل أن نبدأ به الحديث .
غُرّة فتيان قريش ، وأوفاهم بهاءً ، وجمالاً ، وشباباً ..
يصف المؤرخون والرواة شبابه ، فيقولون : ((كان أعطرَ أهل مكة)) ...
وُلِد في النعمة ، وغُذّي بها ، وشبّ تحت خمائلها .. ولعله لم يكن بين فتيان مكة من ظفر من تدليل أبويه بمثل ما ظفر به ((مصعب بن عمير)) ... ذلك الفتى الريّان ، المدلل المنعَّم ، حديث حِسَان مكّة ، ولؤلؤة ندواتها ومجالسها ، أيمكن أن يتحول إلى أسطورة من أساطير الإيمان والفداء ...؟
بالله ما أروعه من نبأ ... نبأ ((مصعب بن عمير)) أو ((مصعب الخير)) ؛ كما كان لقبه بين المسلمين ..!!
إنه واحد من أولئك الذين صاغهم الإسلام وربّاهم ((محمد)) ـ عليه الصلاة والسلام ـ ... ولكن أي واحد كان ...؟
إنّ قصة حياته لشرف لبني الإنسان جميعاً ...
لقد سمع الفتى ذات يوم ، ما بدأ أهل مكّة يسمعونه عن محمد الأمين صلى الله عليه وسلم ...
((محمد)) الذي يقول : إن الله أرسله بشيراً ، ونذيراً ، وداعياً إلى عبادة الله الواحد الأحد .
وحين كانت مكّة تمسي وتُصبح ولا هَمَّ لها ، ولا حديث يشغلها إلا الرسول صلى الله عليه وسلم ودينه ، كان فتى قريش المدلّل أكثر الناس استماعاً لهذا الحديث .
وذلك أنّه كان ـ على الرغم من حداثة سنّه ـ زينة المجالس والندوات ، تحرص كل ندوة على أن يكون ((مُصعب)) بين شهودها ؛ ذلك أن أناقة المظهر ورجاحة العقل كانتا من خصال ((ابن عمير)) التي تفتح له القلوب والأبواب ..
ولقد سمع فيما سمع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه ، يجتمعون بعيداً عن فضول قريش وأذاها .. هناك على الصّفا في دار ((الأرقم بن أبي الأرقم)) فلم يطل به التردد ، ولا التلبث والانتظار ، بل صحب نفسه ذات مساء إلى ((دار الأرقم)) تسبقه أشواقه ورُؤاه ..
هناك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه ؛ فيتلو عليهم من القرآن ، ويصلّي معهم لله العلي الكبير .
ولم يكد مصعب يأخذ مكانه ، وتنساب الآيات من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم متألقة على شفتيه ، ثم آخذة طريقها إلى الأسماع والأفئدة ؛ حتى كان فؤاد ((ابن عمير)) في تلك الأمسية هو الفؤاد الموعود ..!!
ولقد كادت الغبطة تخلعه من مكانه ، وكأنه من الفرحة الغامرة يطير .. ولكنّ الرسول صلى الله عليه وسلم بسط يمينه المباركة الحانية حتى لامست الصدر المتوهج ، والفؤاد المتوثب ؛ فكانت السكينة العميقة عُمق المحيط ... وفي لمح البصر كان الفتى الذي آمن وأسلم يبدو ومعه من الحكمة ما يفوق ضِعف سنّه وعمره ، ومعه من التصميم ما يُغَيّر سير الزمان ...!!!
* * *
كانت أم مصعب ((خُنّاس بنت مالك)) تتمتع بقوة فذة في شخصيتها ، وكانت تُهاب إلى حد الرهبة ..
ولم يكن مصعب حين أسلم لِيحاذر أو يخاف على ظهر الأرض قوة سوى أمّه .. فلو أنّ مكّة بكل أصنامها ، وأشرافها ، وصحرائها استحالت هَوْلاً يُقارعه ويصارعه ، لاستخفَّ به مصعب إلى حين .. أما خصومة أمّه ، فهذا هو الهول الذي لا يطاق ..!
ولقد فكّر سريعاً ، وقرّر أن يكتم إسلامه حتى يقضي الله أمراً .
وظلَّ يتردّد على دار الأرقم ، ويجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وهو قرير العين بإيمانه ، وبتفاديه غضب أمّه التي لا تعلم عن إسلامه خُبْراً ..
ولكنّ مكّة ، وفي تلك الأيام بالذات ، لا يخفى فيها سر ؛ فعيون قريش وآذانها على كل طريق ، ووراء كل بَصمة قَدم فوق رمالها الناعمة اللاهبة الواشية ...
ولقد أبصر به ((عثمان بن طلحة)) وهو يدخل خفية إلى دار الأرقم ... ثم رآه مرة أخرى وهو يصلّي ؛ كصلاة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فسابق ريح الصحراء وزوابعها ؛ شاخصاً إلى أمّ مصعب ، حيث ألقى عليها النبأ الذي طار بصوابها .
ووقف مصعب أمام أمّه ، وعشيرته ، وأشراف مكّة المتجمّعين حوله يتلو عليهم في يقين الحقّ وثبات القرآن الذي يغسل به الرسول صلى الله عليه وسلم قلوبهم ، ويملؤها به حكمة ، وشرفاً ، وعدلاً ، وتُقى .
وهمّت أمّه أن تُسْكته بلطمة قاسية ، ولكنّ اليد التي امتدت ؛ كالسّهم ، ما لبثت أن استرخت وترنحت أمام النور الذي زاد وسامة وجهه وبهاءه جلالاً يفرض الاحترام ، وهدوءاً يفرض الإقناع ...
ولكنْ إذا كانت أمّه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب والأذى ، فإن في مقدرتها أن تثأر للآلهة التي هجرها بأسلوب آخر ..
وهكذا مضت به إلى ركن قصي من أركان دارها ، وحبسته فيه ، وأحكمت عليه إغلاقه ، وظلّ رهين محبسه ذاك ، حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين إلى أرض الحبشة ، فاحتال لنفسه حين سمع النبأ ، وغافل أمّه وحرّاسه ، ومضى إلى الحبشة مهاجراً أوّاباً .
ولسوف يمكث بالحبشة مع إخوانه المهاجرين ، ثم يعود معهم إلى مكة ، ثم يهاجر إلى الحبشة للمرة الثانية مع الأصحاب الذين يأمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة فيطيعون .
ولكن سواء أكان مصعب بالحبشة أم في مكّة ؛ فإن تجربة إيمانه تمارس تفوقها في كل مكان وفي كل زمان ، ولقد فرغ من إعادة صياغة حياته على النسق الجديد الذي أعطاهم محمد صلى الله عليه وسلم نموذجه المختار ، واطمأن مصعب إلى أنّ حياته قد صارت جديرة بأن تُقَدَّم قرباناً لباريها الأعلى ، وخالقها العظيم ..
خرج يوماً على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما إن بصروا به حتى حنوا رؤوسهم ، وغضُّوا أبصارهم ، وذرفت بعض عيونهم دمعاً شجياً ..
ذلك أنهم رأوه .. يرتدي جلباباً مرقعاً بالياً ، وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه ، حين كانت ثيابه ؛ كزهور الحديقة نضرة ، وألقاً ، وعِطراً ...
وتملّى رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهده بنظرات حكيمة ، شاكرة ، مُحِبة ، وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة ، وقال :
((لقد رأيت مُصعباً هذا ، وما بمكّة فتى أنعمُ عندَ أبويه منه ، ثم ترك ذلك كله ؛ حُبّاً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم)) ..!! لقد منعته أمّه حين يئست من رِدّه إليها كل ما كانت تفيض عليه من نعمة ... وأبت أن يأكل طعامها إنسان هجر الآلهة وحاقت به لعنتها ، حتى لو يكون هذا الإنسان ابنها ..!!
ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرة أخرى بعد رجوعه من الحبشة ؛ فآلى على نفسه : لئن هي فعلت ؛ ليقتلن كل من تستعين به على حبسه .
وإنها لتعلم صدق عزمه إذا همّ وعزم ، فودّعته باكية ، وودّعها باكياً ..
وكشفت لحظة الوداع عن إصرار عجيب على الكفر من جانب الأم ، وإصرار أكبر على الإيمان من جانب الابن .. فحين قالت له وهي تخرجه من بيتها : اذهب لشأنك ، لم أعد لك أمّاً .. اقترب منها ، وقال :
((يا أُمَّه ، إني لكِ ناصح ، وعليك شَفوق ؛ فاشْهدي أنه لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله)) .
أجابته غاضبة مهتاجة : ((قسماً بالثّواقِب ، لا أدخل في دينك ، فَيُزرَى برأيي ، ويضعف عقلي)) ..!!
وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها ؛ مؤثراً الشظف والفاقة .. وأصبح الفتى المتأنق المعطّر ، لا يُرى إلا مرتدياً أخشن الثياب ، يأكل يوماً ، ويجوع أياماً ، لكنّ روحه المتأنقة بسموِّ العقيدة ، والمتألقة بنور الله ، كانت قد جعلت منه إنساناً آخر يملأ الأعين جلالاً ، والأنفس روعة ..
وآنئذٍ ، اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم لأعظم مهمة في حينها : أن يكون سفيره إلى المدينة ، يُفقِّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة ، ويُدخل غيرهم في دين الله ، ويُعِدُّ المدينة ليوم الهجرة العظيم ..
كان في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يومئذٍ من هم أكبر منه سنّاً ، وأكثر جاهاً ، وأقرب من الرسول قرابة .. ولكنّ الرسول صلى الله عليه وسلم اختار ((مصعب الخير)) ، وهو يعلم أنه يَكِل إليه بأخطر قضايا الساعة ، ويلقي بين يديه بمصير الإسلام في المدينة التي ستكون دار الهجرة ، ومنطلق الدعوة ، والدعاة ، والمبشرين ، والغزاة ، بعد حين من الزمان قريب ..
وحمل مصعب الأمانة مستعيناً بما أنعم الله عليه من عقل راجح وخلق كريم .. ولقد غزا أفئدة أهل المدينة بزهده ، وترفّعه ، وإخلاصه ؛ فدخلوا في دين الله أفواجاً .
لقد جاءها يوم بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إليها وليس فيها سوى اثني عشر مسلماً ، هم الذين بايعوا النبي من قبل بيعة العقبة ، ولكنّه لم يكد يتم بينهم بضعة أشهر حتى استجابوا لله وللرسول ..!!
وفي موسم الحج التالي لبيعة العقبة ، كان مسلمو المدينة يرسلون إلى مكّة للقاء الرسول صلى الله عليه وسلم وفداً يمثلهم وينوب عنهم .. وكان عدد أعضائه سبعين مؤمناً ومؤمنة .. جاؤوا بقيادة معلمهم ومبعوث نبيهم إليهم ((مصعب بن عمير)) .
لقد أثبت مصعب بكياسته وحسن بلائه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف كيف يختار .. فلقد فهم مصعب رسالته تماماً ووقف عند حدودها .. عرف أنه داعية إلى الله ، ومبشّر بدينه الذي يدعو الناس إلى الهدى ، وإلى صراط مستقيم .. وأنّه ؛ كرسوله الذي آمن به ، ليس عليه إلا البلاغ ..
هناك نهض في ضيافة ((أسعد بن زرارة)) يَغْشَيان معاً القبائل ، والبيوت ، والمجالس، تالياً على الناس ما معه من كتاب ربّه ، هاتفاً بينهم في رفق عظيم بكلمة الله :
((إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ)) :النساء: 171
ولقد تعرّض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تُودِي به وبمن معه ، لولا فطنة عقله ، وعظمة روحه ..
ذات يوم فاجأه وهو يعظ الناس ((أُسيد بن حُضَير)) سيد بني عبد الأشهل بالمدينة ؛ فاجأه شاهراً حربته ، يتوهج غضباً وحنقاً على هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم .. ويدعوهم لهجر آلهتهم ، ويحدّثهم عن إله واحد ، لم يعرفوه من قبل ، ولم يألفوه من قبل ..!
إن آلهتهم معهم رابضة في مجاثمها ، إذا احتاجها أحدهم عرف مكانها وولّى وجهه ساعياً إليها ، فتكشف ضرّه وتلبّي دعاءه .. هكذا يتصوّرون ويتوهّمون ..
أمّا إله محمد صلى الله عليه وسلم الذي يدعوهم إليه باسمه هذا السفير الوافد إليهم ، فما أحد يعرف مكانه ، ولا أحد يستطيع أن يراه ..!!
وما إن رأى المسلمون الذين كانوا يجالسون مُصعباً مَقْدِمَ ((أسيد بن حضير)) متوشحاً غضبه المتلظي ، وثورته المتحفزة ؛ وَجِلوا ... لكنّ ((مصعب الخير)) ظل ثابتاً ، وديعاً ، متهلّلاً ..
وقف أسيد أمامه مهتاجاً ، وقال ـ يخاطبه هو وأسعد بن زرارة ـ :
((ما جاء بكما إلى حَيّنا ، تُسَفّهان ضعفاءنا ..؟ اعتزلانا ، إذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة))..!!
وفي مثل هدوء البحر وقوّته ..
وفي مثل تهلل ضوء الفجر ووداعته .. انفرجت أسارير مصعب الخير وتحرك بالحديث الطيب لسانه ؛ فقال :
((أَوَ لا تجلس فتستمع.؟! فإن رضيت أَمْرَنا قَبِلتَه .. وإن كرهته كَفَفْنا عنك ما تكره)) .
الله أكبر .. ما أروعها من بداية سيسعد بها الختام ..!!
كان ((أسيد)) رجلاً أريباً عاقلاً .. وها هو ذا يرى مصعباً يحتكم معه إلى ضميره .. فيدعوه إلى أن يسمع لا غير .. فإن اقتنع ؛ تركه لاقتناعه ، وإن لم يقتنع ؛ ترك مصعب حيّهم وعشيرتهم ، وتحوّل إلى حي آخر وعشيرة أخرى غير ضارِّ ولا مُضارٍّ ..
هنالك أجابه أسيد قائلاً : أنصفت ... وألقى حربته إلى الأرض وجلس يُصْغي ..
ولم يكد مصعب يقرأ القرآن ، ويفسّر الدعوة التي جاء بها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، حتى أخذت أسارير ((أسيد)) تبرق وتشرق .. وتتغير مع مواقع الكلم ، وتكتسي بجماله ..!!
ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتى هتف به ((أسيد بن حضير)) وبمن معه قائلاً :
((ما أحسن هذا القول وأصدقه ! .. كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين ؟؟)) ..
وأجابوه بتهليلة رجّت الأرض رجّاً ، ثم قال له مصعب :
((يطهِّر ثوبه وبدنه ، ويشهد أنْ لا إله إلا الله)) .
فغاب ((أسيد)) عنهم غير قليل ، ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه ، ووقف يعلن أنّه يشهد أنْ لا إله إلا الله ، وأنّ محمداً رسول الله ..
وسرى الخبر ؛ كالضوء .. وجاء ((سعد بن معاذ)) فأصغى لمصعب ، واقتنع ، وأسلم ، ثم تلاه ((سعد بن عبادة)) .. وتمّت بإسلامهم النعمة ، وأقبل أهل المدينة بعضهم على بعض يتساءلون :
إذا كان ((أسيد بن حضير)) ، و((سعد بن معاذ)) ، و((سعد بن عبادة)) قد أسلموا ، ففيمَ تخلّفنا ..؟ هيا إلى مصعب ، فلنؤمن معه ؛ فإنهم يتحدثون أن الحقّ يخرج من بين ثناياه ..!!
* * *
لقد نجح أول سفراء الرسول صلى الله عليه وسلم نجاحاً منقطع النظير ... نجاحاً هو له أهل ، وبه جدير ..
وتمضي الأيام والأعوام ، ويهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه ـ رضوان الله عليهم ـ إلى المدينة ، وتتلمّظ قريش بأحقادها .. وتعدّ عُدّة باطلها ، وتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين .. وتقوم غزوة بدر ، فيتلقون فيها درساً يفقدهم بقية صوابهم ، ويسعَوْنَ إلى الثأر ، وتجيء غزوة أُحُد .. ويعبّئ المسلمون أنفسهم ، ويقف الرسول صلى الله عليه وسلم وسط صفوفهم يتفرّس الوجوه المؤمنة ؛ ليختار من بينها من يحمل الراية ... ويدعو مصعب الخير ، فيتقدّم ويحمل اللواء .
وتَشُبُّ المعركة الرهيبة ، ويُحتدم القتال ، ويُخالف الرماة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام ؛ يغادرون مواقعهم في أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين ، لكنّ عملهم هذا ، سرعان ما يحوّل نصر المسلمين إلى هزيمة .. ويُفاجأ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل ، وتُعمل فيهم على حين غرّة السيوف الظامئة المجنونة ..
وحين رأوا الفوضى والذعر يمزقان صفوف المسلمين ، ركزوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوه .. وأدرك ((مصعب بن عمير)) الخطر الغادر ؛ فرفع اللواء عالياً ، وأطلق تكبيرة ؛ كالزئير ، ومضى يصول ، ويجول ، ويتواثب .. وكل همّه أن يلفت نظر الأعداء إليه ، ويشغلهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه ؛ وجرّد من ذاته جيشاً بأسره ...
أجل ، ذهب مصعب يقاتل وحده ؛ كأنه جيش لَجِب غزير ..
يد تحمل الراية في تقديس .. ويد تضرب بالسيف في عنفوان ..
لكنّ الأعداء يتكاثرون عليه ، يريدون أن يعبروا فوق جثته إلى حيث يلقون الرسول صلى الله عليه وسلم .
لندع شاهد عيان يصف لنا مشهد الختام في حياة مصعب العظيم ..!!
يقول ابن سعد :
أخبرنا إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري ، عن أبيه قال :
((حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أُحُد ، فلمّا جَال المسلمون ثبت بِه مصعب ، فأقبل ابن قميئة وهو فارس ؛ فضربهُ على يده اليمنة فقطعها ، ومصعب يقول :
((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) :آل عمران: 144
وأخذ اللواء بيده اليسرى وحَنا عليه ، فضرب يده اليُسرى فقطعها ، فحنا على اللواء وضمّهُ بعضديه إلى صدره وهو يقول :
((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ)) ...
ثمّ حمل عليه الثالثة بالرّمح فأنفذه واندَقَّ الرّمح ، ووقع مصعب ، وسقط اللواء)) ..
وقع مصعب .. وسقط اللواء ..!!
وقع حِلية الشهادة ، وكوكب الشهداء ..!!
وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء والإيمان ..
كان يظن أنه إذا سقط ، فسيصبح طريق القتلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خالياً من المدافعين والحماة ..
ولكنه كان يعزي نفسه في رسول الله عليه الصلاة والسلام من فرط حبّه له وخوفه عليه حين مضى يقول مع كل ضربة سيف تقتلع منه ذراعاً :
((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ))
هذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددها ، ويكملها ، ويجعلها قرآناً يُتْلى ..
وبعد انتهاء المعركة المريرة ، وُجد جثمان الشهيد الرشيد راقداً ، وقد أخفي وجهه في تراب الأرض المضمخ بدمائه الزكية ..
لكأنما خاف أن يبصر وهو جثة هامدة رسول الله صلى الله عليه وسلم يصيبه السوء ، فأخفى وجهه حتى لا يرى هذا الذي يُحاذره ويخشاه ..!!
أو لكأنه خجلان إذ سقط شهيداً قبل أن يطمئن على نجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقبل أن يؤدي إلى النهاية واجب حمايته والدفاع عنه ..!!
لك الله يا مصعب .. يا من ذِكرك عِطر للحياة ..!!
* * *
وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ يتفقدون أرض المعركة ويودّعون شهداءها ..
وعند جثمان مصعب ، سالت دموع وفيّة غزيرة ..
يقول خَبّاب بن الأرَتّ :
((هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله ؛ نبتغي وجه الله ، فوجب أجرنا على الله .. فمنّا من مضى ، ولم يأكل من أجره في دنياه شيئاً ؛ منهم ((مصعب بن عمير)) قُتِل يوم أُحُد ... فلم يوجد له شيء يكفّن فيه إلا نَمِرَة .. فكنا إذا وضعناها على رأسه تعرّت رجلاه ، وإذا وضعناها على رجليه برز رأسه ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((اجعََلوها مما يَلي رأسه ، واجعلوا على رجليه من نبات الإذخِر))
وعلى الرغم من الألم الحزين العميق الذي سببه رُزء الرسول صلى الله عليه وسلم في عمّه حمزة ، وتمثيل المشركين بجثمانه تمثيلاً أفاض دموع الرسول عليه الصلاة والسلام ، وأوجع فؤاده ..
وعلى الرغم من امتلاء أرض المعركة بجثث أصحابه وأصدقائه ـ رضوان الله عليهم جميعاً ـ الذين كان كل واحد منهم يمثل لديه عالَماً من الصدق ، والطهر ، والنور ..
على الرغم من كل هذا ، فقد وقف على جثمان أول سفرائه ، يودّعه وينعاه ..
أجل ... وقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند مصعب بن عمير ، وقال وعيناه تلفانه بضيائهما ، وحنانهما ، ووفائهما :
((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)) :الأحزاب: 23
ثم ألقى في أسَى نظرة على بُردته التي كُفِّن فيها وقال :
((لقد رأيتك بمكّة ، وما فيها أرَقُّ حُلةً ، ولا أحسن لِمّة منك ، ثم ها أنت ذا شَعِثُ الرأس في بُردة)) ..؟!
وهتف الرسول عليه الصلاة والسلام وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاق ((مصعب)) ، وقال :
((إنّ رسول الله يشهد أنّكم الشهداء عند الله يوم القيامة)) .
ثم أقبل على أصحابه الأحياء حوله وقال :
((أيّها الناس زوروهم ، وَأتوهم ، وسَلّموا عليهم ؛ فوالذي نفسي بيده ، لا يُسلّم عليهم مُسَلِّمٌ إلى يوم القيامة ، إلا ردّوا عليه السلام)) .

السلام عليك يا مصعب ...
السلام عليكم معشر الشهداء ...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
GeeGee
-
-
avatar

مشاركاتى : 117

مُساهمةموضوع: رد: مصعب بي عمير    الجمعة 1 يوليو - 19:52

طرحت
فابدعت
دمت ودام عطائك
ودائما بأنتظار جديدك
الشيق

سلمت اناملك الذهبيه على ماخطته
لنا
اعذب التحايا لك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
روعة المعانى
.
.
avatar

مشاركاتى : 11

مُساهمةموضوع: رد: مصعب بي عمير    الإثنين 12 سبتمبر - 13:49

بارك الله فيك ودام نبض عطاءك خيرا
زهرة من تقدير أتركها هنا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مصعب بي عمير
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
๑۩۞۩๑ ::منتديات أصحاب أون لاين::๑۩۞۩๑ :: المنتدى الاسلامى :: الموضوع الاسلاميه العامه-
انتقل الى: